حسن بن موسى القادري

226

شرح حكم الشيخ الأكبر

وكم في الأحاديث أحب الأعمال إلى اللّه كذا أن يحبّ كذا ، ولا بد من إثبات المحبّة من الطرفين ، وإلا بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ، وتعطلت منازل السير إلى اللّه ؛ لأن المحبّة روح كل مقام ومنزل وعمل ، وما خلا منها فهو ميت لا روح فيه ، فإنها الاستسلام ، بل هي حقيقة لا إله إلا اللّه ، وحقيقة العبودية أيضا ؛ لأنه لا يمكن الإنابة والحمد والرضا والشكر والخوف والرجاء بدونها ، ومن هنا قيل : لا صبر إلا صبر المحبين ، ولا زهد إلا زهدهم ، ولا حياء إلا حيائهم ، ولا رضاء إلا رضاهم ، ولا شكر إلا شكرهم وغير ذلك ، وذكر بعض في إثبات المحبة ما يقرب من مائة طريق ، وقال الجهمية : بأنه تعالى لا يحب ولا يحب وأوّلوا محبة اللّه بإحسانه إليهم وإعطائهم الثواب ، وأوّلوا محبة العباد له بمحبة طاعته وعبادته وازدياد الأعمال لنيل الثواب ، وأوّل بعض محبة اللّه لعباده بالثناء

--> - عصى اللّه تعالى بجهل ، وأنا عصيته بعلم ، فهذا أعذر منّي ، وإن نظر إلى عالم يقول : هذا علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله ، وإن نظر إلى أكبر منه سنا يقول : إنه أطاع اللّه قبلي ، وإن نظر إلى صغير يقول : إني عصيت اللّه تعالى قبله ، وإن نظر إلى ما يساويه سنّا يقول : إني أعلم بحالي ولا أعلم حاله ، والمعلوم أولى بالتحقير من المجهول ، وإن نظر إلى مبتدع أو كافر يقول : ما يدريني لعله يختم له بالإسلام ، ويختم لي بما هو عليه الآن ، وإن نظر إلى كلب أو خنزير أو حيّة أو عقرب أو نحوها يقول : هذا لم يعص اللّه تعالى ، فلا عتاب ولا عقاب عليه ، وأنا عصيته فأنا مستحقّ لهما ، فيكون مصروف الهم إلى نفسه ، مشغول القلب بعيبه ؛ لخوف العاقبة عن عيب غيره ، فإن قلت : فكيف أبغض المبتدع والفاسق في اللّه وقد أمرت به ، وكيف أنها هما عن المنكر مع رؤية نفسي دونهما ؟ قلت : تبغض وتنهي لمولاك ؛ إذ أمرك بهما لا لنفسك ، وأنت فيهما ترى نفسك ناجيا وصاحبك هالكا ؛ بل يكون خوفك بما علم اللّه تعالى من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليهما مع الجهل بالخاتمة ، فتكون كغلام ملك أمره بمراقبة ولده والغضب عليه ، وضربه مهما أساء ، فيغضب عليه ، ويضربه عند الإساءة امتثالا لأمر مولاه ، وتقربا له به بلا تكبّر عليه ؛ بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه ، فكذلك عليك أن تنظر إلى المبتدع والفاسق ، وتقول : ربما كان قدره عند اللّه تعالى أعظم ؛ لما سبق لهما من حسن العاقبة في الأزل ، ولما سبق لي من سوء العاقبة وأنا غافل عنه ، فتغضب وتنهي لحكم الأمر محبة لمولاك إذا جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز أن يكون أقرب منك عنده في الآخرة انتهى . فالحاصل : الإنكار على أولياء اللّه تعالى لا يكون إلا من سوء النيّة ، وخبث الطويّة ، كما قيل : كلّ امرئ يشبهه فعله * وينضح الكوز بما فيه